الشيخ محمد اليعقوبي
179
خطاب المرحلة
الله فيها ، ويشرعون من أنفسهم قوانين تحكم المعاملات كقوانين الأحوال الشخصية والسنينة العشائرية وسائر القوانين الوضعية الأخرى فتقوقع الدين وانحسر دوره خلافا لقوله تعالى ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ( النساء : 65 ) فهذا التسليم المطلق وتحكيم الشريعة جار ومطلوب في كل تفاصيل الحياة « 1 » . وأنا هنا لا ادعي أن هذا التقسيم هو السبب الوحيد في هذه النتيجة السيئة وإنما توجد أسباب أخرى ، لكنني أريد أن أتوصل إلى فكرة أن اختيار العناوين والمصطلحات مهم ؛ لأن أي خطأ فيه يسري إلى خطأ في المعنون والمضمون والتطبيق ولا يقتصر على الجهة النظرية فقط ، فليس صحيحا ما يتردد في كتب الدراسة الحوزوية من قولهم ( لا مشاحة في الاصطلاح ) فإن عدم الدقة فيه تؤدي إلى مثل هذه النتيجة الخاطئة . ومن هذا الشرح المختصر للفكرة والمثال عليها انطلق إلى القول بان توصيف الحوزة الشريفة بالعلمية فيقال ( الحوزة العلمية ) وان كان له ما يبرره باعتبار أن النشاط الأوضح فيها هو تحصيل العلوم الدينية وتعميقها والإبداع فيها ونشرها وتدوينها ، إلا أن هذا الوصف رسخ في أذهان أبنائها أن وظيفتهم هو طلب العلم وتدريسه ونحوه من الشؤون ، وصار الكثير من المرجعيات التقليدية وأتباعهم يردد أن وظيفتهم الدرس ونحوه وعدم التدخل في شؤون الأمة ، وهو تحجيم لدورها وإفراغ لمحتواها فهي ليست كالجامعات الأكاديمية عبارة عن كيان علمي صرف ، بل أن الحوزة وعلى رأسها المرجعية تمثل الكيان القيادي للأمة بما تقتضيه مسؤوليات القيادة من نشاط سياسي واجتماعي وأخلاقي وتربوي وفكري وإنساني وحتى اقتصادي .
--> ( 1 ) تجد توضيحاً لهذه الإشكالية في كتاب ( شكوى القرآن ) وبحث ( الجاهلية الحديثة وأسلوب مواجهتها ) و ( دليل سلوك المؤمن ) في كتاب ( الشهيد الصدر الثاني كما أعرفه ) .